تتصاعد نبرة أوروبا العدائية تجاه الصين يوماً بعد يوم. وتقول التقارير العلنية إن الرسوم التعويضية الأوروبية على السيارات الكهربائية الصينية دخلت حيّز التنفيذ، وقد تصل عند الحدّ الأقصى إلى ما يزيد على ثلاثين في المئة، وتتوالى بعدها تحقيقات الحماية التجارية في قطاعات الألواح الشمسية وطاقة الرياح والصلب واحداً تلو الآخر. للوهلة الأولى، يبدو أن أوروبا تلوّح بعصا الرسوم الجمركية وتستعدّ لخوض حرب تجارية مع الصين. لكن عند التدقيق، فإن قارةً تنزف قاعدتها الصناعية بالكاد تملك مقوّمات منافسة الصين في التصنيع. وتحت هذه الواجهة الصلبة جسدٌ ينزف دماً ببطء.
1. تراجع التصنيع: من توقّع إلى واقع
ألمانيا، «قاطرة أوروبا»، خير من يوضّح الصورة. وتقول التقارير العلنية إن مؤشر مديري المشتريات الصناعي الألماني ظلّ يحوم تحت خط الانتعاش لمدّة طويلة، مع انزلاق الطلبات الصناعية وإنتاج القطاعات كثيفة الطاقة شهراً بعد شهر. وبعد النزاع الروسي-الأوكراني، قطعت أوروبا إمدادات الغاز الروسي الرخيص عبر الأنابيب، واتجهت بدلاً منه إلى الغاز الطبيعي المسال الأميركي الأغلى ثمناً بشكل ملحوظ — فرفعت بذلك تكلفة الطاقة، شريان الصناعة، في ضربة واحدة. والنتيجة أن عمالقة الكيماويات مثل باسف يضخّون قدرات إنتاجية بمقياس عشرات المليارات من اليورو في مدينة تشانجيانغ الصينية، بينما مصانع كثيفة الاستهلاك وعالية القيمة إمّا تنتقل إلى الخارج وإمّا تتوقّف. فعندما تهرب حتى الصناعة الأساسية للقارة إلى الخارج، فبماذا ستخوض حرباً تجارية مع الصين؟
2. العلم والتقنية: أوروبا غائبة إلى حدّ كبير عن الثورة القادمة
وفي البُعد التقني، يتجلّى تأخّر أوروبا بوضوح أكبر. ففي عصر الإنترنت، لم تُنجب أوروبا عمالقة منصّات مثل جوجل أو أمازون. وفي عصر الذكاء الاصطناعي، تملك أميركا OpenAI وإنفيديا ومايكروسوفت، بينما تملك الصين هواوي وسلسلة إمداد كاملة للطاقة الجديدة وبطاريات الطاقة، فضلاً عن مجموعة من اللاعبين مفتوحي المصدر يلاحقون النماذج الكبيرة عن قرب. فما الذي تستطيع أوروبا تقديمه؟ شركتها الواعدة في الذكاء الاصطناعي، ميسترال، تقلّ قيمتها — وفق التقارير العلنية — عن قيمة OpenAI بأكثر من مرتبة كاملة. وبالطبع ليست أوروبا بلا مقوّمات: فهي تملك ASML في الطباعة الحجرية، وإيرباص في الطيران، ونوفارتيس وروش في صناعة الأدوية. لكن المشكلة هنا بالضبط: فهي تملك أوراقاً جيّدة قليلة، لكنها لا تستطيع تركيب نظام تقني وصناعي متكامل. فالنجاحات المنفردة لا تعوّض غياب سلسلة إمداد كاملة.
3. رفاهية عالية وضرائب عالية: تتآكل قدرة أوروبا التنافسية
أمّا المأزق الثالث لأوروبا، فهو أن منظومة الرفاهية التي كان العالم كلّه يحسدها تتحوّل إلى قيد. فالرفاهية العالية تعني ضرائب عالية وتكاليف عمل عالية؛ وإذا أضفنا إليها شيخوخة السكان المستمرّة منذ عقود، أصبح الإنفاق على الرفاهية أكثر جموداً، بينما يتقلّص عدد العاملين ويتزايد عدد المتقاضين. هذه المنظومة ليست بلا قيمة — فقد اشترت جيلاً من الكرامة — لكن الثمن هو استنزاف حيوية الاقتصاد طبقةً بعد طبقة. وتكلفة التوظيف وبناء المصانع والتوسّع في أوروبا واضحة للعيان. وهذا الغلاء البنيوي هو سببٌ عميق لتراجع التصنيع، كما أنه نقطة الضعف التي لا تستطيع أوروبا تجاوزها عند منافسة منظومة تصنيع قائمة على الكفاءة مثل الصين.
4. الجذر يعود إلى خطة مارشال: سبعون عاماً من الاختراق والمصالح الوكيلة
هذه المآزق الثلاثة ليست أمراضاً منفصلة، بل تشير كلها إلى جذر واحد. فبعد الحرب العالمية الثانية، ضخّت خطة مارشال الدماء في أوروبا — ظاهرياً لإعادة الإعمار، وجوهرياً كانت بداية سبعين عاماً من الاختراق الاقتصادي والسياسي الأميركي. فنظام التسوية بالدولار، ومظلّة الناتو العسكرية، وكتلة كبيرة من وكلاء المصالح الذين رعتهم أميركا طويلاً داخل السياسة والإعلام ومراكز الفكر الأوروبية، أجوفت معاً الاستقلال الاستراتيجي لأوروبا شيئاً فشيئاً. وإلى أي مدى بلغ هذا الاختراق؟ تقول التقارير العلنية إن زوج رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين وأطفالها يحملون جميعاً الجنسية الأميركية، وأن وراء تشغيل كثير من الأحزاب السياسية والحكومات الأوروبية مؤسسات أميركية تموّلها منذ زمن طويل. فما دامت الكوادر مربوطة بأميركا والأموال تأتي من أميركا، فكيف يُنتظر من صنّاع القرار الأوروبيين أن يتحدّثوا باسم أوروبا؟ إن مصالح هؤلاء الوكلاء مربوطة بأميركا لا بأوروبا — ولذلك استطاعوا أن يدفعوا أوروبا، بعد النزاع الروسي-الأوكراني، إلى قطع الغاز الروسي الرخيص عبر الأنابيب وشراء الغاز الأميركي الأغلى، وأن يدفعوها إلى ملء ترساناتها بالأسلحة الأميركية، وأن يلتزموا الصمت حين امتصّ قانون خفض التضخم الأميركي الصناعات الأوروبية عبر الدعم. وتُظهر التقارير العلنية أن السياسيين الأوروبيين يردّدون «الاستقلال الاستراتيجي» عاماً بعد عام، لكنهم يزدادون اعتماداً على أميركا مع كل عام. فلم يشترِ الاختراقُ استقلالاً، بل قارةً أجوفتها المصالح المشتركة للوكلاء وأميركا. وبعد سبعين عاماً، ما تزال قدراتها تتآكل وحيويتها قد استُنزفت منذ زمن — فلم يبقَ لها على رقعة الشطرنج بين القوى الكبرى سوى دور السمكة فوق لوح التقطيع.
5. تهديد بلا أوراق رابحة لا يمكنه سوى أن يقتل ثمانمئة ويجرح عشرة آلاف
لنعد إلى تهديد الحرب التجارية الذي افتتحنا به. تبدو رسوم أوروبا الجمركية على السيارات الكهربائية الصينية حمايةً للصناعة المحلية، لكن الواقع أن صناعة السيارات الأوروبية نفسها هي أشدّ المعارضين لهذه الرسوم — فأيٌّ من صانعي السيارات وعمالقة المكوّنات الألمان ليس مرتبطاً بعمق بالسوق وسلسلة الإمداد الصينية؟ تضرّ هذه الرسوم أولاً بإيقاع التحوّل الأخضر لأوروبا ومستهلكيها، وثانياً تدفع صناعة السيارات الأوروبية إلى ركنٍ أكثر سلبية. فمن دون قاعدة صناعية، ومن دون أوراق تقنية رابحة، ومن دون طاقة مستقلة، فإن استخدام أداة كالرسوم الجمركية تصيب العدوّ قليلاً وتجرح الذات ضعفين، ليس لعبةً بل إيذاءً للذات. وبالعامية: اقتل ثمانمئة من أعدائك، واجرح عشرة آلاف من نفسك.
6. بالنسبة للشركات الصينية: أوروبا تتحوّل من منافس إلى سوق
وحين يتعلّق الأمر بتوجّه الشركات الصينية إلى الخارج، ينبغي في الواقع قراءة الحساب بدقّة أكبر. لن تختفي أوروبا، ولن يختفي سوقها أو طلبها — إنها تغيّر هويتها فحسب. فالقارة التي فقدت قدرتها التنافسية الصناعية والتقنية ستتحوّل في النهاية إلى وجهة للعطلات ومقصد سياحي وسوقٍ لبيع المنتجات للجميع. ويمكنها أن تحتفظ ببعض الأشياء المحترمة — السلع الفاخرة، وجزء من المنتجات الصناعية التقنية — حيث تظلّ قادرة على المنافسة في مجالات منفردة. لكنها في مجملها لم تعد مؤهّلة للجلوس على الطاولة نفسها لمنافسة الصين وأميركا.
والأخطر من ذلك هو الاستنزاف الداخلي. لقد أنهى الأوروبيون أنفسهم عيش حياة رغيدة، وخلفهم تتدفّق موجة كبيرة من المهاجرين والمهاجرين غير الشرعيين المتعطّشين إلى الرفاهية نفسها — قوّتان تتراكمان لتهدير ما تبقّى من حيوية القارة. ما زال السوق موجوداً، وما زال الطلب موجوداً، لكن الهيكل الذي يحمل هذا السوق وهذا الطلب قد لان.
لذلك، بالنسبة للشركات الصينية، هذه هي بالضبط لحظة التعامل مع أوروبا كسوقٍ لا كمنافس. لا تفزعوا من عصا الرسوم الجمركية أمامكم — فانحسار المدّ الصناعي الأوروبي يترك وراءه طلباً استهلاكياً حقيقياً وقنوات توزيع ومساحة لهبوط العلامات التجارية. ومن يملك صناعةً متكاملة وتقنيةً وأمن طاقة، سيكون هو من يلتقط بثبات هذا السوق وهو ينتقل بين الأيدي.
⚠️ إخلاء مسؤولية: هذا المقال يعبّر عن آراء شخصية ولا يشكّل نصيحة استثمارية.